لسان الدين ابن الخطيب
326
الإحاطة في أخبار غرناطة
وأطلع عليه من أنباء الفتوح المبشّرة بالنصر الممنوح ما يكمل من بغيته في نصر دين الإسلام ويسني مراده . أما بعد حمد اللّه ، الذي جعل الجهاد في سبيله أفضل الأعمال ، الذي يقربه إلى رضاه ، وندب إليه بما وعد من الثواب عليه ، فقال : يا أيها النبي ، حرّض المؤمنين على القتال ، تنبيها على محل الثقة ، بأن الفئة القليلة من أوليائه ، تغلب الفئة الكثيرة من أعدائه ، وتدارك دين الإسلام بإنجاز وعده في قوله ، ولينصرنّ اللّه من ينصره ، على رغم أنف من ظن أنه خاذله ، تعالى اللّه عن خذلان جنده . والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله ومجتباه ، لهداية الخلق لسلوك سبيل الحق ، والعمل بمقتضاه . قال تعالى فيما أنزل : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ « 1 » تحريضا على أن يمحو ظلام ضلالهم بنور هداه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى آله الأبرار ، وأصحابه الأشداء على الكفار ، الذين جرّدوا في نصرة دينه صوارم العزم وأمضوا ظباه ، وفتحوا ما زوّى له من مشارق الأرض ومغاربها حتى عمّ الإسلام حدّ المعمور ومنتهاه . فإنّا كتبنا لكم ، كتب اللّه لكم من سماع البشائر ما يعود بتحويل الأحوال ، وأطلع عليكم من أنباء الفتوح ما يلوح بآفاق الآمال ، مبشرا باليمن والإقبال . من قيجاطة ، وبركات ثقتنا بالله وحده ، تظهر لنا عجائب مكنونات ألطافه ، وتجنينا ثمار النصر في إبّان قطافه ، وتسخّر لنا ورد مشرع الفتح فترد عذب نطافه ، والحمد للّه الذي هدانا لأن نتقلّد نجادها ، ونمتطي جوادها ، ونستوري زنادها ، ونستفتح بها مغالق المآرب ، ولطائف المطالب ، حتى دخلت الملّة الحنيفية في هذه الجزيرة الأندلسية أغوارها وأنجادها . وقد « 2 » تقرّر عند الخاص والعام ، من أهل الإسلام ، واشتهر في جميع « 3 » الأقطار اشتهار الصبح في سواد الظلام ، أنّا لم نزل نبذل جهدنا في أن تكون كلمة اللّه هي العليا ، ونسمح في ذلك بالنفوس والأموال رجاء ثواب اللّه لا لغرض « 4 » دنيا . وأنّا ما قصّرنا في الاستنصار والاستنفار « 5 » ، ولا قصرنا « 6 » عن الاعتضاد لكلّ من أمّلنا معونته « 7 » والاستظهار ، ولا اكتفينا بمطوّلات الرسائل وبنات الأفكار ، حتى اقتحمنا بنفوسنا لجج البحار ، وسمحنا بالطّارف من أموالنا والتّلاد ، وأعطينا رجاء نصرة الإسلام موفور الأموال والبلاد ، واشترينا بما أنعم اللّه به علينا ما فرض اللّه على كافة أهل الإسلام من الجهاد ، فلم
--> ( 1 ) سورة التوبة 9 ، الآية 123 . ( 2 ) من هنا حتى قوله : « إلى بلوغ الأمنية والمأمول » وارد في نفح الطيب ( ج 3 ص 366 - 367 ) . ( 3 ) في النفح : « آفاق » . ( 4 ) في النفح : « لا لعرض الدنيا » . ( 5 ) في النفح : « في الاستنفار والاستنصار » . ( 6 ) في النفح : « ولا أقصرنا » . ( 7 ) في النفح : « معاملته » .